الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
456
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
مأخوذا في وضع اللفظ حتى يرجع فيه إلى العرف حسبما فصل في محله فلا بد في تمييزه بمقتضى الأدلة القائمة وهو مما يختلف باختلاف الأوضاع والأحوال ألا ترى أن الصلاة الصحيحة أيضا من الألفاظ المستعملة في العرف ولا يمكن الرجوع في تفاصيله إلى العرف وإنما يرجع إليه في كونه العبادة المخصوصة المبرئة للذمة ويختلف أجزاؤه وشرائطه بحسب اختلاف المقامات على نحو ما قامت عليه الأدلة الشرعية وكذلك يحكم فيه على حسب ما فهمه من الأدلة وأما العاشر فبأن معرفة أجزاء الصلاة والصيام وغيرها من العبادات ومعرفة شرائطها وموانعها من عمد الأحكام الشرعية ومعظم المسائل الفقهية وأكثرها مما خفت على معظم الأمة لوقوع الفتنة المعروفة واختلاف الأخبار المأثورة وخفاء دلالتها بالذات أو بملاحظة مجموع الأدلة ولذا صار كثير منها معارك للآراء واختلف فيه أساطين الفقهاء وقصاراهم الاستناد فيها إلى الظن إذا أمكن وليت شعري كيف يمكن دعوى الوضوح في المقام مع أن الفقهاء الأعلام من قديم الأيام بل من عصر أئمتنا عليهم السلام لا زالوا مختلفين في ذلك وكل يبذل في وسعه في تحصيل المدارك ويستنهض الأدلة على ما بوجهه هناك بعموم البلوى بتلك المسائل أو أفاد وضوح الأمر فإنما يفيده بالنسبة إلى الأمور الإجمالية أو بعض الأجزاء والشرائط الواضحة وأما الخصوصيات المعتبرة وسائر الأجزاء والشرائط المرعية فلا كما هو المعلوم من ملاحظة أجزاء الصلاة وشرائطها مع أنها أهم التكليفات الشرعية وأعم من جميع العبادات بلية وما ادعي من حصول الظن بحقيقة الصلاة من ملاحظة ما ذكره ممنوع إذ ليست المعرفة بالمجملات المذكورة كالمعرفة بسائر الأحكام الشرعية من الرجوع في استفادتها إلى الضوابط المرعية سواء أفادت ظنا بالحكم أو لا ومن الواضح أن ادعاء حصول الظن نظرا إلى الوجه المذكور بمعرفة تفاصيل أجزاء الصلاة وشرائطها الواقعية من غير زيادة عليها ولا نقيصة بعيد جدا سيما بالنسبة إلى الطوائل الواردة للأحكام المشكوكة ونحوها بل يمكن دعوى القطع بفساده على أنك قد عرفت أن تعيين تلك الخصوصيات ليس من قبيل إثبات الموضوع له بالظن المكتفي فيه بمطلق الظن بل الظاهر أنه إثبات للمصداق والموضوع له هو المعنى الإجمالي الأعم حسبما فصل في محله فلا يكتفي في تعيين المصداق بمطلق الظن بل لا بد فيه من العلم أو الأخذ بطريق ينتهي إلى العلم كما هو معلوم من ملاحظة سائر المقامات وما قام الإجماع على حجية الظن فيه إنما هو موضوعات الألفاظ دون سائر الموضوعات كما قد يتوهم وأما الحادي عشر فيما قرر في محله من فساد الدعوى المذكورة وكون ذلك الألفاظ موضوعة بإزاء الصحيحة كما بيناه في محله وأما الثاني عشر فبأن ما لم يبينه النبي صلى اللَّه عليه وآله مما يحتمله جزئيته أو شرطيته وقد حضر وقت العمل به محكوم بعدمه قطعا إذ ليس نصب الأنبياء إلا لبيان الأحكام وإرشاد الأنام لا لأن يأتونهم بالتكاليف المجملة ويكلون بيانها على مراعاة الاحتياط كما مرت الإشارة إليه وبالجملة أن بيان الأحكام من الواجبات عليه صلى الله عليه وآله فإذا أنزل البيان زيادة على المفروض دل على انحصار الأمر فيه إذ لا يترك ما هو واجب عليه سيما في أمر التبليغ وقد نص الأصوليون على أنه لو وقع تكليف بالمجمل ثم صدر عن النبي صلى اللَّه عليه وآله فعل يمكن أن يكون بيانا له ولم يفعل غيره وحضر وقت الحاجة تعين أن يكون ذلك بيانا له وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو بعينه جار في المقام فكما أن بيان الأجزاء المفروضة دليل على جزئيتها كذلك عدم ذكره لما يزيد عليها دليل على عدم اعتباره وهذا بخلاف ما نحن فيه من قيام احتمال عدم الوصول الواجب على الله ومقايسة أحدهما بالآخر مما لا وجه له إذ لا يجب على الله تعالى إيصال آحاد الأحكام إلى آحاد العباد كيف ومن البين خلافه وحينئذ بعد تعلق التكليف بالمجمل كيف يمكن الحكم بحصول البراءة بالناقص استنادا إلى عدم وصول القدر اللازم الزائد لما عرفت من أن الإيصال ليس من الواجب على الله تعالى ولا على الرسول صلى اللَّه عليه وآله حتى يدل انتفاؤه على انتفاء الزيادة وما ذكر من أن الناءين عن حضرته عليه السلام لم يكونوا تحتاطون في شيء من المجملات بل يأتون ما يصل من البيانات ويتركون ما لم يثبت عندهم وإن احتملوا وروده عن النبي صلى اللَّه عليه وآله مدفوع بأنه إن كان عندهم من البيان ما حصلوا به معنى ذلك المجمل والمدلول عليه بالخطاب ثم شكوا في تغيير حصل هناك وشك ورود في المقام فلا شك إذن في الجريان على الحكم السابق وهو غير محل النزاع لثبوت الدليل الشرعي إذن على النفي الزائد وأما إذا لم يكن كذلك بل وصل إليهم عدة أجزاء حصلوها من أماكن متعددة ولم يعلموا صدق ذلك المجمل عليه ويتقنوا بحصولها مع انضمام عدة أخرى من الأفعال المشكوكة جزئيتها أو شرطيتها فالقول بجريان طريقتهم على الاكتفاء في أداء التكليف رجم بالغيب بل جرأة بلا ريب وكان الأظهر خلافه كيف ومن المستبين عند العامة ذوي العقول توقف اليقين بالاشتغال على اليقين بالفراغ هذا ولنتم الكلام في المرام برسم أمور أحدها أن الكلام المذكور كما يجري في الشك في الشرائط والموانع من غير فرق فجريان جميع ما ذكر في الجميع وقد أشرنا إليه في ضمن الأدلة وقد يتخيل التفصيل من الأجزاء وغيرها فيقال بعدم جريان الأصل في الأول ويحكم بجريانه في الشرائط والموانع وقد يقال بعدمه في الأولين وجريانه في الأخير وربما يظهر من بعضهم ندرة الخلاف من عدم جريانه في الآخر حيث ذكر الخلاف في جريانه في الأجزاء والشرائط وربما تجاوز بعضهم إلى المانع وأنت خبير بأن عدم المانع من جملة الشرائط في الحقيقة فتوهم الفرق بينه وبين الشرط في المقام من الغرائب وكان وجه الفرق بينهما أن الفعل يتم وجوده باجتماع الأجزاء والشرائط ومانعية المانع يتوقف على الدليل فينفي الأصل ولا يخفى وهنه إذ انتفاء المانع أيضا مأخوذ في تحقق الفعل على نحو الشروط ولا علم بحصول الفعل مع فرض الشك فيه والقول بأن المعتبر فيه لما كان عدما كان موافقا للأصل واضح الفساد إذ ليس الكلام في الشك في تحقق الموضوع بنفس المانعية كما إذا علم تحقق الموضوع وإنما الكلام في الشك في تحقق المتعلق بنفس المانعية كما إذا علم تحقق شيء وشك في مانعيته والقول بأصالة عدم المانعية إن تم جرى بعينه في عدم الشرطية فظهر أن توهم الفرق بين الشرط والمانع في المقام موهون جدا بقي الكلام في الفرق بين الشك فيها وبين الشك في الأجزاء وقد حكي عن بعض الأفاضل المحققين التفصيل بين الأمرين فحكم بعدم إجراء الأصل في الأجزاء وجريانه في الآخرين والوجه في أن